عـــاجـــل
الرئيسيةمقالاتلماذا كان الإسراء ليلاً؟
مقالات

لماذا كان الإسراء ليلاً؟

 عصمت رضوان 

الإسراء حدثٌ عظيم، ومعجزة خالدة حملتْ في طياتها رسالة السماء إلى الأرض، واحتضنت النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة تجلّت فيها قدرة الله عز وجل.
ولعلّ من أبرز التساؤلات التي تخطر على الأذهان: لماذا كان الإسراء ليلًا ولم يكن نهارًا؟

إن الليل هو الوقت الذي تتجلّى فيه السكينة، وتهدأ فيه ضوضاء الحياة، حيث تسكن النفوس، وتغفو العيون، ويعم الكون هدوءٌ يشبه هيبة السرّ وجلال الخفاء.
الليل هو زمن السكون الذي يهيّء الأرواح للتأمل والمناجاة، فتتصل الأرض بالسماء في صمتٍ عميق يوقظ القلوب، ويفتح أبواب الأرواح.

وفي هذا الخفاء تكمن حكمة الإسراء ليلًا، حيث يُتاح للمؤمن أن يتأمل بعين القلب، ويؤمن بما وراء الإدراك الحسي.

لو أن الإسراء حدث نهارًا، لربما رآه الناس رأي العين أثناء الذهاب أو العودة، ولتحوّل هذا الحدث إلى معجزة محسوسة مكشوفة لا تختبر إيمان القلوب.

فالحكمة الإلهية أرادت أن يبقى الإسراء معجزة غيبية، يُصدّق بها من يؤمن بالغيب، ويرتفع فيها اليقين فوق حدود الشهادة.

لقد كانت هذه الرحلة السماوية امتحانًا للقلوب التي تبحث عن الحق، واختبارًا للإيمان الذي يتجاوز حدود المحسوس إلى آفاق الغيب .

كما أن الليل كان فرصةً للمناجاة والقرب من الله عز وجل، ففي سكونه يحلو الوصال، وتطيب لحظات الدنوّ من العلي القدير.

كان الليل هو اللحظة المثلى التي اجتمعت فيها السماء والأرض في انسجامٍ خاشع، وكأن الكون كلّه أطرق إجلالًا لهذه المعجزة العظيمة.
ورد في «الإسراء والمعراج للسيوطي» عن ابن المنير: (إنما كان الإسراء ليلا، لأنه وقت الخلوة والاختصاص عرفًا، ولأنه وقت الصلاة التي كانت مفروضة عليه في قوله تعالى: «قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا»، وليكون أبلغ للمؤمن في الإيمان بالغيب، وفتنة للكافر، ولأن الليل محل الاجتماع بالأحباب).

ويقول ابن دحية: وكان الإسراء ليلًا لإبطال قول الفلاسفة: إن الظلمة من شأنها الإهانة والشر.
وقد أكرم الله تعالى عددا من أنبيائه في الليل بأنواع الكرامات كقوله عن إبراهيم عليه السلام: «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ»، وعن لوط عليه السلام: « فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ» ، وعن موسى عليه السلام: « وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً» ، وقد ناجاه ليلا وأمره بإخراج قومه ليلا في قوله: «فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ» .

لا شك في أن الإسراء ليلًا يحمل رسالةً عميقة هي أن الحقائق العظمى لا تُدرك دائمًا بالبصر، بل بالإيمان، فالليل الذي ظاهره السكون والظلمة، كان حاضنةً للنور الأعظم الذي أضاء قلوب المؤمنين.
إنه درسٌ خالد يعلّمنا أن الغيب أوسع من أن يُدرك بالعقل وحده، وأن الإيمان هو النور الذي يقودنا في ظلمات الحياة.

فالإسراء لم يكن مجرد رحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، بل كان إعلانًا بأن الإيمان يتطلب تصديقاً بما وراء المشهود، وأن الحقائق الكبرى تتجلى في أوقات الخفاء، حيث يكون القلب أصدق ما يكون قرباً وإخلاصاً لله عز وجل.

وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الرسل والأنبياء، المكرم بالمعراج والإسراء، وعلى آله وصحبه الأصفياء الأنقياء.

 

 

موقع "شباب الصعيد" هو منصتك الإخبارية الشاملة التي تواكب أهم الأحداث في أخبار الصعيد ومختلف محافظات مصر، مع تغطية متميزة لـ أخبار السياسة، الاقتصاد، والمجتمع. نقدم تحليلات متعمقة حول البرلمان وقطاع البنوك والتأمين، إلى جانب متابعة حصرية لعالم الرياضة و عالم الفن. كما نرصد أحدث التطورات في علوم وتكنولوجيا، ونوفر محتوى تحليليًا في قسم المقالات، بالإضافة إلى موضوعات شيقة ومتنوعة في منوعات. تابعنا لتكن دائمًا في قلب الحدث بمحتوى موثوق وتحليلات حصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *